Articles

الأدب: حقل الاختبار الوحيد الممكن !

Image
الأدب: حقل الاختبار الوحيد الموثوق  ! لن يخطئ القارئ التعرف على التحوير الذي أجريناه في الجملة السابقة على عبارة أندريه بروتون "الشارع: حقل الاختبار الوحيد الموثوق". نرمي عبر هذا التحوير فتح الباب أمام جانب من المقاربات الممكنة بين الأدب والفلسفة. لقد ظلّ السؤال المهيمن على علاقة الأدب والفلسفة خاضعاً طويلاً لإشكال التجنيس. أين الحدود الفاصلة بين الكتابة الفلسفية والكتابة الأدبية؟ وأين يمكن أن نصنّف أعمالا من قبيل "هكذا تكلّم زارادشت" أو "سيدهارتا"؟ إنّ السؤال الكلاسيكي السابق ينحل من ذاته حين نعترف بأنّ الفلسفة قبل أن تكون ممارسة حجاجية أو تواصلية أو مفهومية هي ممارسة أسلوبية. الفلاسفة الكبار هم بالضرورة أسلوبيون كبار. هكذا تصير دراسة فيلسوف ما قاصرةً ما لم تُحِط بممارسته الأسلوبية، تلك الممارسة التي رأى عبرها دريدا في طيف بيان ماركس   الشيوعي تناسخاً مع طيف هاملت شكسبير. من المؤكد أنّ ثمّة حاجة داخلية في الكتابة الفلسفية لما يمكن أن نسميه الشاهد الاختباري، الذي تصير الأفكار دونه عارية، فليست أمثولة جياجياس (الكتاب الثاني من الجمهورية) لأفلا...

أميلي نوتومب، مغنّي النّو ذو العيون الزرقاء

Image
أميلي نوتومب مغنّي النّو ذو العيون الزرقاء [1] ترجمة محمّد آيت حنّا مع يونيو/حزيران أتت الحرارة. (..) وصار الجوّ يسمح بعروض الهواء الطّلق. أخبروني أنّنا كنّا جميعاً مدعوّين إلى الذهاب لسماع أبي يغنّي. - بابا يغنّي؟ - يغنّي النّو. - وما النّو؟ - سترينَ بنفسك. لم يسبق لي قطّ أن سمعت أبي يغنّي: ربّما كان يعتزل ليتمرّن، أو ربّما كان يفعل ذلك بمدرسته، صحبة أستاذ النّو. عشرون سنةً بعد ذلك عرفتُ، أيّ صدفةٍ فريدةٍ قادت صانعَ حياتي، الذي لم يكن ثمّة ما يهيّئه لخوض تجربة الغناء، إلى أن يصير مغنيَ نو. لقد وصل إلى أوساكا سنة 1967، باعتباره قنصلاً لبلجيكا. كان ذاك أوّل منصبٍ يشغله بآسيا، وما إن وصل حتّى ألّف بين قلبه وقلب البلد حبٌّ من أوّل نظرة. صارت اليابان، وظلّت، حبّ حياته. بحماسة المنضمّ حديثاً، أراد والدي أن يستكشف كلّ عجائب الإمبراطوريّة. وإذ لم يكن يتكلّم اللّغة بعدُ، كانت ترافقه مترجمة يابانيّة بارعة، أينما حلّ وارتحل. وكانت أيضاً تؤدّي وظيفة الدّليل، وتدعوه إلى مختلف الفنون الوطنيّة. وإذ آنسَتْ فيه روحاً متنوّرة، خطر لها أن تكشف أمامه إحدى دُرَر التقاليد الياباني...

في كتابة الحواشي

Image
في كتابة الحواشي  محمّد آيت حنّا  نائساً، كقطّ، في حركة محسوبة حول الطاولة الممتدّة حيث تفيض الكتُب.. الطاولة ممتدة كخوان مأدبة. كتبٌ لا شيء يجمع بينها سوى وحدة الثمن: عشرة دراهم.. تبدو الطاولة الممتدة وسط المكتبة كقطعة أرض جادت بها الآلهة على البشر، شرط أن لا تمتد عيونهم إلى الملكوت الآخر.. والملكوت الآخر ليس سوى أرفف رُتّبت عليها الكتب من كلّ الأحجام والأشكال والأثمان... بالعشرين درهماً التي في جيبي لم يكن مسموحاً لي بأكثر من كتابين من مائدة العبيد... سأشتري يومها كتاباً غازل عنوانه غريزة طالب الفلسفة المبتدئ فيّ: كتاب مدخل إلى الماركسية لِهرمان دونكر... كتابٌ بسيطٌ مبنىً ومعنىً، ربّما لأنّه كُتب هناك لتعليم طبقة لا اعتبار لها هنا!؟ أجوس بين أسطر الكتاب، عند أحد السطور تستوقفني علامة الإحالة على الحاشية، في الحاشية شرح جميل يقترب من الحكي الممتع... أقلب الصفحة، تمتدّ الحاشية/ المتعة لتشمل الصفحة كلّها والصفحة التي بعدها... يومها سآخذ درساً حقيقياً في تقدير الحواشي.. الحواشي التي قد تتجاوز قيمتها قيمة المتن نفسه! ***** لا فائدة... ما دمنا نخلط في التسمية بين ال...
Image
في فن البورتريه محمّد آيت حنا في حُلم رأيتُني بورتريه مسجوناً في إطار لوحة.. كان التلاميذ في المرسم الصيني يتلقّون المعارف العمليّة بحسب ارتقائهم الروحي، ولا أحد بلغ الطور الأخير الذي يكشف له الشيخ الصيني فيه عن سرّه، ذاك أنّه كان يملك لمسة سحرية تحوّل الصُّور إلى أشياء حيّة... اللّعبة التي انخرط فيها التلاميذ لا تشتملُ على إمكانية رسم البورتريه، درءاً لإحراج المعلم؛ إذ لا إمكانية لتجريب لمسته السحرية على البورتريه: البورتريه اعتقال نهائي، اغتيال نهائي.. صورة نهائية.. لا إمكانية للحياة بعده!! لا فائدة، لن يُخرجني أحد، سأظلّ معتقلاً داخل إطار اللّوحة! ***** لن يعترض أحدٌ على فكرة أن يرسم له بيكاسو بورتريه تبدو فيه ملامحه مكعبات ومثلثات، أو أن يجعلهُ دالي مثل شبح خارج من أعماق حلم منحرف، وقد يسعدُ بانسحاق أنفه في أحد أعمال بيكن.. بل حتّى رسوم الأطفال التي تجعلنا أشبه بأوراق مكرمشة لا تزعجنا... لكن حين يتعلّق الأمر بالكتابة تختلف المعايير!!   المشكلة مع كتابة البورتريه أنّ مادتَها الكلماتُ لا الألوان... الكلمات تجرح! ***** لسنا نحتاج كثير ذكاء أو خبرة ...
Image
ملك وكتابة قصّة: محمّد آيت حنّا أعرف مثل جميع من اشتغلوا مع المحقق ويلسون تريفيوس أنّ ليسَ ثمّة ما هو أعقد وأغرب من قضيّة التوأمين الزنجيين برايان فيتش. ولقد ظلّ العجوز الأكرش، الذي حكي ليّ القصّة آلاف المرّات، منذ شاءت الظروف أن التحق بمكتب التحقيقات في شارع بنجمان فرانكلان، يردّد: <<أيها الفتى الصغير (هكذا كان يناديني)، إنّك ما تزال شاباً، أمامك درب طويلة مليئة بالحكايا، ستحكي عشرات الحكايات لكلّ فتاة تواعدها، الحكايا بالمناسبة أقصر الطرق إلى السرير. لكنّك إذ تتقدّم في السن لن يظلّ لك الشغف نفسه بترديد كلّ تلك الحكايات، لن تظلّ لك غير حكاية أو اثنتين تستحّق فعلا أن يتجشّم المرء عناء تذكّرها، عندئذ ستكون محظوظاً إن وجدتَ حكاية تستحق أن تنهي حياتك المهنية بعد أن عايشتها. وإنّي لأحمد أبانا المخلّص أن جعلّني طرفاً في قصّة التوأمين فيتش، لقد كادت تكون جريمة كاملة، بل لعلّها بالفعل جريمة كاملة.>> تعود وقائع القضية، بحسب المحضر الذي اطّلعت عليه، إلى مساء الخميس من يناير 2007 حيث أقدم برايان فيتش على قتل ويليام نورث إثر مشاجرة تفوح منها رائحة النساء، ولاذ بالفرار. مبدئيا...
Image
عجلة الحظّ الكبرى أغوتا كريستوف  ترجمة: محمّد آيت حنّا ثمّةُ شخصٌ لم تتملّكني بعدُ الرّغبةُ في قتله. إنّه أنتَ. بمقدوركَ أن تمشي في الطرقات، بمقدورك أن تشربَ وتمشي في الطرقات، لن أقتلك. لا تخَفْ. لا خطر في المدينة. الخطرُ الوحيد في المدينة هو أنا. أمشي، أمشي في الطرقات، وأقتلُ. لكن أنتَ، لا خوف عليك. إذا ما كنتُ ألاحقك، فلأنّي أعشق إيقاع خطواتك. أنت تتهادى. هذا جميل. قد يخيّلُ للمرء أنّك تعرج. وأنّك أحدب. لكنّك لست كذلك حقاً. من حين لآخر تنتصبُ قامتُك وتمشي مستقيمَ الخطو. غيرَ أنّي أعشقُك في الساعات المتأخّرة من الليل، حين تكون خائرَ القوى، حينَ تمشي متعثّرَ الخُطى مقوَّسَ الظهر. أتبَعُكَ، أنت ترتعدُ. برداً أو خوفاً. مع أنّ الجوّ حارٌ. لم يكن جوّ مدينتنا قطّ بهذا الحرّ، لم يكن تقريباً قطّ بهذا الحرّ، لعلّه لم يكن قطّ بهذا الحرّ. ممَ خوفُكَ إذن؟ منّي؟ أنا لستُ عدوّك. أنا أحبّك. ولن يستطيع أحد آخر إيذاءكَ. لا تخف. أنا هنا. أنا أحميك. مع أنّي أنا أيضاً أتألّم. دموعي –قطراتُ المطر الكبيرة- تسيلُ على وجهي. اللّيلُ يحجبني. القمر يضيئني. الغيوم ت...